يرى تامر أجرمي أن السؤال عن دوافع الضربات الإيرانية على دول الخليج يبدو مباشرًا في ظاهره، لكنه يخفي تعقيدًا سياسيًا واستراتيجيًا أوسع من مجرد “رد عسكري”. فإيران، بحسب طرحه، لا تنظر إلى الخليج بوصفه ساحة محايدة، بل تراه جزءًا من البيئة العسكرية والاقتصادية التي تتحرك عبرها الولايات المتحدة ضدها. ومن هنا، تضرب طهران ما تعتبره بنية داعمة للنفوذ الأميركي، لكنها في الوقت نفسه تفتح على نفسها جبهة أوسع وتزيد عزلتها في محيطها العربي.


ويشرح ميدل إيست مونيتور أن طهران تربط بين القواعد الأميركية، وشبكات الدعم اللوجستي، والأدوار الاستخباراتية، ومنظومة الطاقة والأسواق العالمية في الخليج، وترى في هذا كله امتدادًا مباشرًا للضغط الأميركي عليها. لذلك، حين تتحدث إيران عن استهداف “المصالح الأميركية”، فهي لا تحصر المعنى في الجنود أو السفن، بل توسعه ليشمل مراكز القيادة والرادارات والمواقع التي تساعد واشنطن على إدارة المواجهة. لكن هذا التبرير يفقد تماسكه سريعًا حين تطال الضربات منشآت مدنية أو أحياء سكنية أو بنية اقتصادية حساسة.


الخليج في نظر طهران: ساحة ضغط لا أرض حياد

 

ينطلق المقال من فكرة أساسية مفادها أن إيران لا تضرب الخليج بدافع الكراهية، بل لأنها تعده منطقة ضغط أميركي متقدمة. ففي تصور طهران، لا تقتصر القوة الأميركية في المنطقة على حاملات الطائرات، بل تمتد إلى شبكة واسعة من القواعد والتسهيلات الأمنية المنتشرة في دول الخليج. ولهذا، تريد إيران أن توصل رسالة تقول فيها إن الحرب عليها لن تبقى محصورة داخل حدودها، وإن كلفة الصراع ستصل إلى المساحات التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة نفوذها الإقليمي.


غير أن هذا المنطق يحمل مخاطرة واضحة. فكلما وسعت إيران قائمة أهدافها لتشمل دول الجوار، وسعت في المقابل قائمة الخصوم الذين قد يتحركون ضدها. وهنا تظهر المعضلة: بدل أن تحصر المعركة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، تدفع طهران الصراع نحو مسار متعدد الأطراف، وتمنح حكومات المنطقة وشعوبها سببًا إضافيًا لرؤيتها بوصفها تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي.


توسيع ساحة القتال يمنح واشنطن وتل أبيب مكسبًا سياسيًا

 

يلفت المقال إلى أن ضرب دول الخليج يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل رواية سياسية جاهزة وسهلة التسويق. فحين تتعرض منشآت أو مصالح خليجية للاستهداف، تستطيع واشنطن وتل أبيب أن ترفعا شعار “الدفاع عن استقرار المنطقة”، لا مجرد الدفاع عن نفسيهما. وبذلك، تتحول الحرب في الخطاب السياسي والإعلامي إلى قضية أمن إقليمي جماعي، بدل أن تبقى مواجهة محدودة مع قوتين تثيران اعتراضًا واسعًا في المنطقة.


ويعد الكاتب هذا التحول من أبرز أخطاء إيران السياسية. فبدل أن تضيق دائرة الخصوم، توسعها بيدها. وبدل أن تحرج خصومها، تمنحهم فرصة لبناء تحالف أوسع ضدها. كما تدفع بعض الدول التي حاولت الابتعاد عن المواجهة إلى تعميق تعاونها الأمني مع واشنطن، أو على الأقل إلى اتخاذ مواقف أشد صرامة تجاه طهران. وبهذا، تبدأ أدوات الضغط الإيرانية في الانقلاب على أصحابها.


حرب الكلفة والطاقة.. لكن على حساب الجوار

 

يضيف المقال بُعدًا اقتصاديًا مهمًا إلى هذا التحليل. فإيران تعرف أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في ميزان القوة العسكرية التقليدية، لذلك تلجأ إلى ما يسميه الكاتب “استراتيجية رفع الكلفة”. وتكمن نقطة الضعف الكبرى هنا في الطاقة. فدول الخليج لا تمثل مجرد نطاق جغرافي قريب، بل تشكل قلب سوق النفط والغاز العالمية، وأي اضطراب فيها يرفع الأسعار، ويزيد كلفة الشحن والتأمين، وينقل آثار التضخم إلى أسواق تمتد من آسيا إلى أوروبا.


ومن خلال هذا المسار، تريد إيران أن تبعث برسالتين متزامنتين: الأولى إلى الولايات المتحدة، ومفادها أن الحرب لن تبقى نظيفة أو بعيدة عن المصالح الاقتصادية الكبرى. والثانية إلى العالم، ومفادها أن استمرار الضغط على طهران سيجعل الاقتصاد العالمي كله يدفع الثمن. لكن هذا الاستخدام للخليج بوصفه “ساحة رسائل” يخلّف أثرًا سياسيًا عميقًا على علاقة إيران بجيرانها، لأن الثقة تتآكل بسرعة، بينما يحتاج ترميمها إلى سنوات طويلة.


في خاتمة المقال، يطرح الكاتب المعضلة الكبرى بوضوح: هل تستطيع إيران أن ترفع كلفة الحرب من دون أن تخسر جوارها؟ وهل يمكنها أن تضغط على واشنطن عبر الخليج من غير أن تتحول في نظر المنطقة إلى العدو الأول؟ ويشير إلى أن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مسار الحرب الجارية، بل سترسم أيضًا شكل الإقليم بعد انقشاعها.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260324-why-is-iran-striking-gulf-states-punishing-washington-or-making-more-enemies/